H |
I write down ideas, liberated and stoned |
شريف يونس
صديقي.. تحية طيبة وشكرا على الأدرينالين!
أعدت إلىّ رهبة كتابة “الخطاب الأول” التي اختبرتها أول مرة مع صديقتنا عالية. ستجد في يوم من الأيام بعد أن تكبر على العالم أو يصغر هو عليك علبة كرتون متوسطة استقرت في الدولاب بداخلها رزمة خطابات سافرت بين نصر الدين- الهرم، وكاري مايل - مانشيستر يلفها…
Così fan tutte

راودتني أفكار كثيرة عن الخيانة.. عبرت فترة انتابني فيها قلق ما عند بداية أي علاقة أظنها جدية بصدد قدرتي علي الخيانة وقدرتي علي تحملها إذا انتقلت من خانة الفاعل إلي خانة المفعول به. حين كنت صغيرا، كنت اقطع الوعد – كأي شاب مثالي ينقصه النضوج – بأنه يستحيل علي أن اغدر بحبيبة. كانت دنيا الأخلاق تملأ العالم، وكلمة الخيانة هذه تحمل شحنة صوتية تملك بمفردها رهبة. لكنني كبرت قليلا وأدركت حجم المراهقة التي تحملها عبارة “علاقة جدية” وتعلمت - أكثر- أن اتفرج.
***
عند نقطة تاريخية ما, عرف البشر الحياة الأسرية البدائية كوحدة. تفسير كيفية وصولنا لهذه النقطة متنوع للغاية، لكن المهم في الأمر هو تلك النزعة البدائية التي جعلت مع الإحساس بالأمان – الذي توفره هذه الأسرة – احساسا آخر بالإمتنان. كان البقاء علي قيد الحياة في حد ذاته عملا استثنائيا، ولهذا سيقرر رجل وأمرأة ما أن يستقرا معا، فيرعوا الأبناء كي تتمكن جيناتهم من العبور، وسيتبادلا إحساسا بقوة أكبر علي البقاء، سرعان ما سيتحول إحساس القوة المشتركة هذا إلي إحساس بالألفة والسرور لوجود الرفيق. سيأتي البشر بعد آلاف السنين – يحتسون كئوس الغباء ويسمونه الحب.
***
أجبرتنا المجتمعات الكبيرة – نواة ما نفخر به الآن باسم الحضارة – علي أن نحدد معاييرا تناسب الجميع. يتطلب هذا العدد الهائل من الناس أن يكون هناك قانونا ما يحكم علاقاتهم، ولأنه لا يمكن كتابة كود أخلاقي خاص لكل فرد بما يناسبه، فإن وضع معايير هلامية تناسب الجميع – في محاولة لمقاربة المشكلة – سيبدو حلا صائبا. سننتبه طبعا إلي أن المعايير في معظمها لغوية – فلا سلطة أكبر من سلطة اللغة. ستمتلئ العقول بآلاف المفاهيم الموحدة، ستقدم لك عصيرا خالصا وأنت طفل علي كل المستويات لتخرج بتعريفات محددة يستفيد من وجودها المجتمع. الحب يعني أن تلتقي فتاة أحلامك وأن تتبادلا فيضا هائلا من المشاعر والأحاسيس والتواصل الجسدي والعاطفي طوال الحياة. الخيانة تعني أن تقع في حب أو أن تضاجع فتاة أخري. الكذب هو تعمد إخفاء الحقيقة وإنكارها (والتعريف هنا متناقض بطبيعته - فما الحقيقة إلا طريقة استقبالنا لها – وهذه مشكلة أخري من مشاكل اللغة). المئات من المفاهيم والمعايير والتعريفات ستنتهي بنا إلي أن تصبح ردود أفعالنا لما تستنكره أخلاقنا مجرد شحنات عاطفية مليئة بالكره والغضب والحزن وردود أفعال شبه ثابتة مساوية في المقدار ومضادة في الإتجاه بدون تحليل حقيقي لما يحدث. بعيدا عن كل البراكين، لابد أن هناك أسباب منطقية يمتلكها كل من يجرؤ علي المخالفة، ولابد لنا أن نتفهم هذا. لا تقنعني أن امرأتك لم تحلم يوما بمضاجعة رجل آخر، أعرف أن هذا سيهين غرورك, لكن هذه حقيقة. لو لم يكن هذا يحدث لكما فسأقترح أن تبدأوا العلاج. اتفهم بالطبع أن تحمل الخيانة ضربة للثقة وبالتالي للأمان، لكن الأمر لا يستحق كل هذه الدراما التي يصمم العالم علي استحضارها. كل شئ يمكن تجاوزه.
***
الحب فعل جماعي بطبعه. لابد أن الجنة تعني أن تجد أمرأة تعشق الرجال وتسعد بعشقي للنساء.
***
من الآن تبدأ حالة انتظار نهاية الحضارة.
Masculin Feminin (Jean Luc Godard, 1966)
من الشحاذ لنجيب محفوظ

نوريتا التي أمتلكها،
وصلتني رسالتك الهزيلة هذا المساء، تخبرينني أنك تخرجين بلا ملابس داخلية. لم أحصل علي مائتي كرونات في يوم الخامس والعشرين، فقط خمسين كرونة، وخمسين أخري سأحصل عليها مع اليوم الأول من الشهر. يكفينا حديثا عن المال. لقد أرسلت إليك قليلا من النقود آملا أن تشتري لنفسك منها علي الأقل زوجان من السراويل الداخلية المزخرفة قليلا وسوف أرسل لك المزيد حين يدفعوا لي مجددا.
كم أحب أن أري ارتداءك هذه السراويل الداخلية ذات الثلاث أو الأربع زخارف، واحدة فوق الأخري علي ركبتيك ثم بالأعلي علي فخذيك، بهذه الأقواس القرمزية فيها. لست أعني سراويل كتلك التي ترتديها فتيات المدارس، بطرفها المهترئ والرفيع ذو الرباط، ضيقة علي الرجلين، ورفيعة لدرجة أن اللحم يظهر من بينها. أفضل سراويل النساء – أو السيدات إذا كنت تفضلين هذه الكلمة – بنهاياتها الفضفاضة وأرجلها الواسعة، بزخارفها وأربطتها وأشرطتها، وامتلاءها بالعطر، فتظهر وقتما تريدين، حين تخلعي ملابسك سريعا أو حين تحتضني نفسك بحميمية وأنت تتهيأين للجماع، أستطيع فقط أن أري كتلة منتفخة من الأشياء البيضاء والزخارف، فأنحني فوقك لأفتحها، اطبع قبلة شهوانية حارقة علي مؤخرتك العارية الشقية، وأشم رائحة عطر سراويلك الداخلية بجانب رائحة فرجك الدافئة ورائحة مؤخرتك القوية.
هل صدمتك بهذه الأشياء البذيئة التي كتبتها لك؟ تظنين ربما أن حبي شئ دنئ. هو كذلك يا حلوتي في بعض الأوقات. احلم بك في أوضاع فاحشة بعض الأحيان. أتخيل العديد من الأشياء شديدة العهر، لن أكتبها لك حتي أري كيف سيكون ردك علي. أصغر التفاصيل تعطي قضيبي انتصابا كبيرا: حركة عهر من فمك، بقعة بنية صغيرة علي سروالك الداخلي الأبيض، كلمة بذيئة مفاجئة تخرج من شفتيك المبتلتين، ضوضاء غير متوقعة من مؤخرتك متبوعة برائحة سيئة تتصاعد منها. في لحظات كهذه، أحس بجنون في رغبتي أن أفعلها بطريقة بذيئة، أن أحس بشفتيك الساخنتين الفاسقتين تحلبان لي، أن أضاجع فرجك ذو الشفتين الزهريتين، أن آتي علي وجهك موزعا مائي علي خديك الدافئين وعينيك، والصق ذكري بين خدود ردفيك بادئا مضاجعة هذه المؤخرة.
يكفي هذا لهذه الليلة!
آمل أنك قد حصلتي علي برقيتي وأنك فهمتيها.
وداعا، حبيبتي التي أحاول أن أحط من شأنها وأن أفسدها. كيف يمكن لك بحق الله أن تحبي شيئا مثلي؟
آه، أنا متلهف للحصول علي ردك يا حلوتي
جيم
English text here
تحضر، في موكب مهيب، مرة واحدة فقط كل شهر. يهرع الذكر لإنضاج عدة مليارات من الحيوانات المنوية كل عدة ساعات بينما الأنثي تنتظر. لا تستحق الحياة منها أكثر من تلك المنّة: مرة واحدة فقط كل شهر. حين يحين الموعد، تتربع الملكة علي عرشها معلنة بدء السباق، دعوا هذه الحيوانات تقتل بعضها بعضا حتي ينالوا شرف اللقاح. لن يستمر السباق طويلا، بضعة أيام فقط وتعلن الملكة نهايته، ولو بغير فائز. تقرر أن بعض المرح مهم، تشير فيبدأ الجدار بالإنقباض هناك والإنبساط هنا فلا تصبح مهمة الذكور مستحيلة. حين يصل الفائز تكافئه. تسمح له بقبلة واحدة، فيدخل رأسه ويلفظ ما يحتويه، ثم تقرر أن حياته بعد هذه القبلة ليست بهذه الأهمية. يموت وتبدأ هي مهمتها المقدسة: الخلق.

” في الحياة خلفة النُتي هي الأساس. بس في العيلة خلفة الدكر أهم، عشان البنت كل طرحها برة العيلة، يعني خلفتنا تبقي بتزود عائلات تانية. إنما خلفة الدكر كل طرحها جوانا” – هكذا قال لي.
***
لم نعرف بشكل دقيق في أي عام حدث هذا، فالأعوام وقتها كانت رفاهية لم يصل البشر إلي ابتكارها بعد. قبلها كانت عجلة الحياة بسيطة، يواصل الذكر تلقيح الإناث، وتستمر المعركة اليومية من أجل البقاء في شكل أسر صغيرة تحتوي علي ذكر وأنثي للتزواج ورعاية الصغار ومسئولية مشتركة لتوفير الطعام وتهيئته. لم يتطلب الأمر ما هو أكثر، وفي أغلب الأمر لم تكن هناك تعقيدات من نوع الوفاء أو الخيانة أو المسئولية الأخلاقية تجاه الشريك، فقط أسرة وظيفية تقاتل من أجل البقاء لكن حدثا جديدا قد طرأ، لقد عرف البشر “العائلة”.
تختلف محاولات تفسير سبب هذا الإختراع الجديد. بعض هذه المحاولات يفترض السبب في تغيرات مناخية ما أثرت علي طريقة الحياة، البعض الآخر يربطها باكتشاف الزراعة، وأطروحات أخري تعود بالأمر إلي زمن أقدم حين تطورت عقولنا بما يكفي لتدجين الحيوانات أو لإستخدام الأدوات – حجرية ثم معدنية - بشكل أساسي في عملية الإنتاج. لكن الأمر لابد أنه أعقد، سأميل لرؤية تفترض مزيجا من كل التفسيرات السابقة. أصبح الوضع مهيئا لاستقبال حدث جديد. ربما بدأ الأمر بخيال بشري يقترح في لحظة مناسبة ما أن الحياة ستصبح أسهل إذا اجتمعت الأسر المتجاورة لتكون وحدة جديدة اسمها العائلة، أو ربما كان الأمر مصادفة بحتة وضعت عددا من الناس علي طريق تكوينها. تستوي الصدفة مع الخيال حين نحاول فهم الماضي، المهم الآن أن نستقبل الوافد الجديد، لقد أصبح لدينا عائلة.
قبل العائلة/القبيلة، كانت الأنثي سلعة أغلي يجب إعادة تصميم العالم كي يؤمن بقاؤها. الأنثي هي بوابة الحياة. لن يخسر العالم كثيرا إذا خسر ذكرا، فالحيوانات المنوية رخيصة كما تعلم ويمكن الحصول علي عدد هائل منها في وقت قصير. لكن ثمرة الإناث باهظة الثمن، وعدد الحيوانات المنوية الراغب في خوض معركة الحصول علي فرصة تلقيح هذه البويضة الباهظة الثمن كبير للغاية. لذا فإن كل يخسره جنسنا البشري إذا مات ذكر ما لا يعد إلا من قبيل خسارة الفائض عن الحاجة، ولا يسير الأمر بهذا الشكل مع الإناث. ولا داع للقول بأن جنسنا البشري لم يكن يمتلك هذا النوع من الجدل الجنسي الذكوري أو الأنثوي فجدل اللغة هذا ترف عرفناه بعدها بكثير.
كان إختراع العائلة/القبيلة جديرا بأهميته، فقد ساعدت وحدة العائلة في التخطي علي عقبات الإنتاج - سواء عن طريق الزراعة أو الرعي – وفي توفير الحماية الفيزيائية من كل المخاطر المجاورة. وتحرك التاريخ خطوة أخري، بما أن العائلة قد أصبحت صمام الأمان فإن بقاءها مقدس. اكتسب البشر حملا إضافيا، فلم تعد الآن مسئولا عن بقاءك أنت وذريتك الصغيرة فقط، أنت الآن مسئول عن بقاء المفهوم، الآن ينتقل جنسنا الموقر إلي مرحلة إبقاء التعريفات علي قيد الحياة، سنخوض حربا أخري من أجل الحفاظ علي بلاغة من نوع “العائلة” و “النسل” و”اللقب”.
لم تستطع العائلات الحفاظ علي عدم اختلاط الأنساب لفترة طويلة، هناك حاجة تطورية في استمرار حدوث عمليات تبادل جينية من معين آخر يسمح بفرص إحصائية جديدة تساهم في تطوير الأنسال. كذلك أجبرت طبيعة الحياة التبادلية بين العائلات في المزروعات والسلع والخبرات علي السماح بتبادل الأبناء – يمكن لذكور من عائلات أخري أن يتزوجوا من إناث عائلاتنا والعكس. نتيجة لهذه المستجدات، قلت أهمية الأنثي بالنسبة للذكر. فما سينجبه الذكر جزء من العائلة، سيحمل اسمها وسيمضي حياته مدافعا عن وجودها، لكن ما ستنجبه الأنثي ليس علي نفس القدر من الأهمية، فنسلها سينتمي لعائلات أخري ولهذا أصبح بلا قيمة في الفكرة المقدسة: بقاء العائلة. هنا يصبح الحفاظ علي الذكر أهم، ويصبح إنجابهم ميزة اجتماعية هامة.
لكن المجتمع الصناعي قد غير كل هذا. لم تعد الأنثي هي الأهم في معركة الحياة، ولم يعد الذكر هو الأهم في معركة العائلة. سيتغير التاريخ ويتحول كل شئ إلي رقم، أهميتك تكتسبها من القيمة التي يحققها وجودك. لم تعد أسئلة الجنس أو الدين أو العرق علي هذا القدر من الأهمية طالما هناك قيمة سيحققها وجودك في ماكينة العالم العملاقة. قد تكون مجرد ترس إنتاج صغير – كحال الأغلبية – أو محظوظا اتفق المجتمع علي إعطاؤه أهمية استثنائية ما، كأن ينتسب لصانعي اللعبة أو أن يكون شخصا شهيرا يؤدي دورا أراجوزيا ممتعا بأن يكتب أو يلعب الكرة أو يغني. فلنحمد الرب علي حريتنا الجديدة، لقد عرفنا كيف نصبح أرقاما.
طبعا لم يكن مثل هذا التحول بسيطا ولا سهلا، يمكن أن تنظر علي تاريخ عدد هائل من الحروب الأهلية والحركات الحقوقية والأحزاب السياسية في كل أنحاء العالم في الثلاثة قرون المنصرمة لتدرك أي ثمن دفعه البشر من أجل أن تستوعب الحضارة الجماعية تغيرا جديدا كهذا.
كان هذا أمرا طبيعيا، لكن فلسفة معظم هذه الحركات الحقوقية – باعتبارها خارجة من رحم هذا العالم الجديد – قد قبلت بهذه القواعد. لم يكن الأمر متعلقا بحرية البشر كمخلوقات تتعدي كونها تستحق الحياة إلي حد ما إلي كونها مركز للوجود وأولوية مقدمة علي ما سواها. كل ما فعلناه هو أننا استبدلنا العائلة بـ “الحضارة” واستمر اضطهاد الفرد حين نقارنه بالجماعة. أجبرنا التسليم بأمر واقع يقضي بأننا مجرد قيمة رقمية علي أن نتعامل مع الموضوع باعتباره نوعا من البلاغة. ستتجه التحركات الحقوقية من أجل المساواة إلي التركيز علي “مبادرات”، وسننجر إلي معارك جانبية في الصياغة. سيتولي صانعو اللعبة الإشراف بأنفسهم علي صناعة حقوق الإنسان وسنتمتلك القدرة علي التباهي بقدرتنا علي إنجاز “ميثاق”. حصل بعض المضطهدين علي انتصارات مهمة طبعا، بدءأ من إلغاء العبودية ومرورا بالمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق الإجتماعية والسياسية و حقوق المثليين. كل هذا جميل لكنه بعيد عن المعني الأساسي الذي يرهقنا. سنبقي عالقين في الملاحظة الأبدية: كل ما نعيشه تعيس. ربما ليس من المريح أن نصبح مجرد رقم آخر.
—
“الفيمينيزم: مجموعة من الحركات والأيديولوجيات التي تهدف إلي تعريف وتأسيس والدفاع عن حقوق المرأة السياسية والإقتصادية والإجتماعية” – هذا هو ما تحصل عليه حين تطلب العون من اللغة وأنت تسعي لفهم الأشياء.
أريد أن أقول ان ثمة جمال في تعاسة الوحدة ..لكن ليس الآن
اللقطات من فيلم
The Masterمن إخراج بول توماس أندرسون
John Waters (via emzeld)
Samia Gamal posing at the pyramids in Giza 1960.
Photographer: Paul Popper
“يا حبيبي”.. تقولها بدون مزيكا أو تلحين, كأنها تفتتح رسالة قضت أعواما في كتابتها، كأنها تسألنا الإنتباه. “وأنت وأنا.. يا حبيبي أنا”.. تنطق “أنا” ككتاب في الحنين.. دائما ما تغني بمثل هذه اللوعة كأنها لا تغني إلا بعد أن يتحطم قلبها في قصة حب عنيفة. لكنها مع هذا تغني. أو بالأحري تمارس فعل الغناء. تغلق عينيها برهة فتنطلق إلي عالم الأحلام، هناك حيث قلبها يتحطم وحيث لا فائدة لتحطيم قلبها هذا إلا كي تغني.. فتغني وتستمتع.. “والهوي.. آه منه الهوي.. والهوي.. آه منه الهوي.. آه منه الهوي.. آه منه الهوي” تصرخ الآه الأخيرة كأنها تعنيها.. تكرر نفس النسق مرة أخري وتنطق الآه الأخيرة فلا تصدق أنك سمعت الأولي حقا. فقط لو كان لنا حبيبة..
—
حين تشاهد حفلا لأم كلثوم، تحس بنوستالجيا تعصف بك لزمن لم تعشه. في هذا الزمان يمارس آلاف الناس فعلا غريبا. حين يتهيأون لحضور حفلتها، يرتدون كأنهم يستعدون للقاء الرب. حضور الحفلة أمر مقدس، الرجال يرتديون بذلهم وفي أحيان كثيرة أيضا طرابيشهم، والنساء يرتدين فساتين السهرة. بعد زمن، سترغب امرأة في التفاخر برجلهاوتقول أنها في يوم من الأيام حضرت حفلة لأم كلثوم اصطحبها هو إليها. في البيوت، في ليلة الخميس الأول من كل شهر تستعد العائلة. يذهب الرجل ليحضر الفاكهة واللب ويعود مسرعا كي يتكئ ويستعد. تنهي النساء أعمال المنزل سريعا وتجلس وتترقب. تتحضر قلوب المراهقين كي تنال قسطا من المأساة وهي تتعذب بقلبها الصغير حين تبدأ هرموناتها في الدوران، ويبدأ عقلها في البحث عن الإرهاصات الأولي لحبيب. لا يعرف الأطفال شيئا عن معني ما يدور، لكنهم قد اعتادوا التعامل مع الموضوع كأنه حديث من الله، صلاة واجبة الخشوع. تتوقف الشوارع وتخفت الأنفاس. كانت الحياة وقتها تمتلك تلك الميزة القصوي: البطء. لا داعي هناك للعجلة، يمكن لأم كلثوم أن تغني أغنية واحدة طوال ساعة كاملة ويمكن لكل رجل أن يصر علي ارتداء بذلته كاملة حين يحضر حفلتها. لو كنا نعيش وقتها لم نكن سنعرف كلمة “فاست فود” مثلا، فكل الأكل بطئ كأن فعل الأكل في حد ذاته يستحق الممارسة وهو أمر لا يعرف جيلنا قيمته. تعرف أنه إذا تحطم قلبك فإنك تمتلك الوقت كي تتوقف وتبكي. حينها كان سيصبح من الممكن مثلا أن يصبح لكلمة الثورة معني وللحب معني. تحمل ذلك الإطمئنان الداخلي الموجود بلا سبب. ينفتح المسرح فيحل الصمت. الآن يبدأ الغناء.
—
كثيرا ما حاولت تخيل أم كلثوم في فعل جنسي لكنني لم أكن قادرا علي رسم صورة مناسبة لهذا.. ليس لأن أم كلثوم كائن طاهر يحمل الحب الروحي إلي البشر - فالحب الروحي هو حب مكبوتين ولا علاقة له بالطهر - ولا لأنها تغني وفقط دون رغبة في لعب أي دور آخر. ظللت أحمل السؤال داخلي سنين طويلة حتي أخبرني أحد الأصدقاء قريبا بهذه الفكرة، أم كلثوم كانت سحاقية. لحظتها أحسست بأن الإجابة قد جاءت. لم أرد أن استقصي الأمر أكثر، المهم أنني الآن قد أصبحت قادرا علي التخيل. لا يمكن لأم كلثوم أن تُرسَمَ قي مشهد جنسي إلا بصحبة أمرأة أخري. ربما كانت تنهي غناءها وتحتسي بعض الخمر وتقرر أن تزيد من عذابات أحمد رامي المعذب أصلا بأن يسمعها تغني كلماته التي كتبها قلبه المشحون بحبها فتنهي ليلتها علي سرير أمرأة أخري إمعانا في قتله. ترتسم ابتسامة علي شفتيها، فقد استعارت روحه القلقة لتغني بها وتطرب العالم ثم ألقتها – وألقته – وتذهب. اتعجب من أنني لم أحاول في أي لحظة من اللحظات تخيل شكل ثدييها – وهو فعل محبب بالنسبة لي – لكن حين أخبرني صديقي بهذا رأيتها عارية علي الفور. أم كلثوم الآن عارية علي المسرح، قطعة القماش الوحيدة التي تملكها هي منديلها، تغني فنصرف أنظارنا عن عريها لأن قداسة العذاب تتنافر مع لذة الشهوة. تقدم هي – بكل دلال – تحديا جديدا تنجح فيه كالعادة. أم كلثوم كانت تحب النساء، لابد أن هذه حقيقة.
—
تكتسب أم كلثوم عمقا آخر لأننا نعرف قصصا عن تجاربها الفنية.. هذا شئ آخر نفتقده نحن سكان العصر الحديث. الآن كل شئ مغلف، تصلنا الأغنية مغلفة وجاهزة للإستهلاك تماما كما تصلنا وجبات الأكل السريع. لا نعرف شيئا عن التجربة التي سبقت عملية التغليف هذه والأرجح أن عصرنا هذا لا يحب لنا أن نعرف. لكن مع أم كلثوم يصبح الأمر مختلفا. نعرف أنها كانت علي خلاف مع عبد الوهاب وأن عبد الناصر قد تدخل ليحقق صلحا أنتج لنا الآن “أنت عمري”. نسمعها فتسرح خيالاتنا مع محاولات عبد الوهاب الأولي لاختيار النسق واستعذاب اللحن، يكتب ويضرب علي أوتاره في انتظار الإلهام. تسرح عقولنا في رؤية أم كلثوم وهي تجرب، تستحضر روح الله ثم تغني. تعيد هذه الفقرة أو تلك، تطلب من عبد الوهاب نصحا أو تقرر أن الكلمات لابد لها أن تتغير. سيظل القصبجي علي عوده منكفئا، يعزف حبا يدرك أنه مستحيل فيكتفي بالدور الذي يلعبه وبالخلود الذي سيعرفه. حين تسمعها تغني بعد ذلك، ستدرك كم كان هذا بشريا. تري أم كلثوم علي المسرح وتعرف نوع الدراما التي حدثت حتي نصل إلي اللحظة التي نري فيها ما نري ونسمع ما نسمع. هذا العالم قادر بسهولة علي البقاء كأنه أزل.
—
نحن الآن في زمن الفناء، نطلب حبا تجاوزه الزمن ونهيم بحنين لعصر لا نعرفه إلا من الكتب والأغاني والأفلام والحكايات. تقتلنا التعاسة ولا نجد ما يعزينا إلا بعد أن تمتلئ صدورنا بأنفاس الحشيش الأولي، تطرد الضيق وتأتي برهافة تجعلنا نخاطب مجهولا ما ونخبره: “أغدا ألقاك؟”
أما نحن يا صديقتي، فعوضنا خيباتنا المتتالية بنوسطالجيا غامضة لما لم يمكننا الوصول...
الأرض
فلسطين هي الأقليم الجنوبي لأرض سوريا فلسطين وهي تمتد من جبل الشيخ إلي الصحراء...
قال لي راكب المترو: إن ملامحي المتوترة تبعث على السخرية لا الرثاء
سمعته وأنا أقضم أظافري بانتقامية كآكل...
L’ennui, French postcard c1920
Light My fire - The Doors
صديقي.. تحية طيبة وشكرا على الأدرينالين!
أعدت إلىّ رهبة كتابة “الخطاب الأول” التي اختبرتها أول مرة مع صديقتنا عالية. ستجد في...
عاقبه الله على حزنه، فجعل له صوتا سعيدا، كلما حكى حكايته للناس، ابتسموا في وجهه
In witness whereof—hear my voice, Alexander Graham Bell.
Groundbreaking digital technology has allowed researchers to recover Alexander...
Confessions is a public art project that invites people to anonymously share their confessions and see the confessions of the people around them in...